محمد أبو زهرة
3814
زهرة التفاسير
يغترون بما أوتوا من قوة ، وما مكنوا ، فيعميهم ذلك عن حقيقة السلطان الإلهى ، فلا يعلمون . كان ذلك التعليم بإلهام من اللّه وهو صغير لم يبلغ أشده ، ولما بلغ أشده آتاه حكمة وعلما بالأمور وتدبيرها ، عندما تمكن من حكم مصر ، ولذا قال تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 22 ) ، وكهذا التكريم والتعليم نجزى الذين اتصفوا بالإحسان في أعمالهم وقلوبهم حتى صاروا خالصين للّه تعالى . وهنا نسأل أتناولته الأيدي بالبيع والشراء حتى وصل إلى العزيز ، فاشتراه ، أم أن الذي اشتراه ابتداء هو العزيز ؟ الظاهر من العبارات أن المشترى الأول لم يكن العزيز ، وإلا كان يذكر ، واللّه أعلم . المحنة النفسية تنقل يوسف من محنة إلى محنة ، لقد امتحنه اللّه تعالى بإرادة إخوته له الضياع ، ثم امتحنه بالرّق ، وهو الكريم ابن الكريم وقد احتمل ، ثم امتحنه بعد ذلك بمحنة لا يقوى عليها إلا أهل العزيمة ، وهي فتنة النساء به ، وخاف أن يصبو إليهن ، ولذا قال تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 23 إلى 29 ] وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ( 24 ) وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 25 ) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 26 ) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 27 ) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ( 28 ) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ( 29 )